سبتمبر الرقمي.. كيف حوّل اليمنيون منصات التواصل الاجتماعي إلى ميادين لإيقاد شعلة الثورة
في الوقت الذي تُطبق فيه القبضة الأمنية الخانقة على الشوارع والميادين العامة في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، وتتحول فيه مظاهر الابتهاج الشعبي بالهوية الوطنية إلى تُهمة تُقاد على إثرها الجموع إلى المعتقلات؛ ابتكر اليمنيّون ميداناً بديلاً لا تصل إليه هراوات القمع.
ومع حلول العيد الـ64 لثورة 26 سبتمبر المجيدة، شهدت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي لليمنيين في الداخل والخارج انتفاضة كاسحة وثورة رقمية عارمة، تحولت فيها الهواتف المحمولة والشاشات الإلكترونية إلى منصات لإيقاد شعلة النظام الجمهوري وتجديد العهد لأهداف الثورة السبتمبرية التاريخية.
جداريات حمراء
لم تكن أزرار الهواتف مجرد أدوات للتصفح، بل تحولت في "سبتمبر الرقمي" إلى زناد للمقاومة السلمية. فقد دشن مئات الآلاف من المستخدمين في مختلف المحافظات، بالإضافة إلى أبناء الجاليات في بلدان الاغتراب، حملة تفاعلية موحدة قاموا خلالها بتغيير صورهم الشخصية وإضافة إطارات رقمية تزهو بألوان العلم الوطني اليمني.
هذا التلاحم البصري والرمزي شكّل صدمة حقيقية للأجهزة الاستخباراتية للحوثيين، والتي شنت حملات ملاحقة مسعورة طالت عشرات المواطنين لمجرد تحديث صورهم الشخصية على تطبيقات المراسلة مثل "واتساب" أو منصة "فيسبوك".
وتحولت الصورة الشخصية من خيار شخصي إلى أداة تحدٍ علني وتعبير صارخ عن رفض مشاريع التجريف الطائفي السلالي.
أسطح المنازل تشعل فتيل الابتهاج
لم يتوقف الزخم السبتمبري عند حدود المنشورات المكتوبة، بل امتد ليتشابك مع تحدٍ ميداني جريء في قلب المدن والأرياف المحاصرة. فقد امتدت موجة الابتهاج إلى قمم الجبال وأسطح المنازل، حيث قام المواطنون بإيقاد النيران وإطلاق الألعاب النارية التي أضاءت السماء، مصحوبة ببث الأناشيد الوطنية السبتمبرية عبر مكبرات الصوت.
وقد تكفلت عدسات الهواتف بتوثيق هذه اللحظات وبثها فوراً تحت وسوم جماهيرية تصدرت قائمة التداول، أبرزها وسام #ثورة_26_سبتمبر. هذا العمل الموازي تآزر بقوة مع مراسم إيقاد الشعلة الرسمية والشعبية التي أقيمت بحرية وأمان في المحافظات المحررة مثل مأرب وتعز، ليرسم اليمنيون لوحة وطنية واحدة تتجاوز حدود الجغرافيا والانقسام السياسي.
المنصات الرقمية كمحكمة شعبية للواقع المعيشي
اتسمت الثورة الرقمية بوعي فكري وسياسي عميق، حيث لم يقتصر التفاعل على التغني بالأمجاد الماضية، بل تحولت الصفحات الافتراضية إلى منبر لمحاكمة الممارسات الحوثية وعقد مقارنات حادة بين عهد النظام الجمهوري والوضع المأساوي الراهن.
ويسلط المدونون والناشطون الضوء على جملة من الأزمات الهيكلية التي يعاني منها المواطن، ومنها: انقطاع الرواتب... استمرار نهب رواتب الموظفين العموميين لسنوات طويلة مع إثراء قيادات المليشيا.
تجريف التعليم... حيث تم تحويل المدارس والمؤسسات التعليمية إلى محاضن للتعبئة الطائفية وتدمير المناهج الوطنية.
خصخصة الخدمات... انهيار الخدمات الأساسية وبيع الكهرباء والمياه بأسعار فلكية، بالتزامن مع فرض الجبايات الجائرة والنهب الممنهج للممتلكات العامة والخاصة.
حرب الاستخبارات الرقمية وتفتيش ضمائر العابرين
أمام هذا الفيضان السبتمبري الذي اجتاح الفضاء الإلكتروني، لجأت المليشيا إلى ترسانتها القمعية محاولةً السيطرة على الانفلات الرقمي. ونشرت أجهزتها نقاط تفتيش عسكرية مكثفة في الشوارع ومداخل المدن، مخصصة لفحص هواتف السائقين والمارة، والبحث في الاستوديوهات وتطبيقات المراسلة عن أي أغانٍ وطنية، أو صور للعلم، أو شعارات سبتمبرية.
وتزامن ذلك مع تشغيل آلة التحريض الموالية للحوثيين، والتي تولت مهمة تخوين المحتفلين وشيطنتهم ووصف حراكهم العفوي بالعمالة لجهات خارجية.
ورغم ذلك، استمر اليمنيون في استخدام مساحات التعبير المتاحة، مستعينين بأساليب نشر وتداول ذكية تجاوزت مقص الرقيب الأمني.
المغترب اليمني.. رئة الداخل المحاصر وجدار صوته
في هذه المعركة الفكرية، مثّل اليمنيون في المهاجر والشتات العمق الاستراتيجي لإخوانهم في الداخل. فقد تكفل الناشطون في الخارج بإيصال صوت الداخل المحاصر إلى منصات الرأي العام الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.
ونظم المغتربون فعاليات واسعة، وقادوا حملات رقمية بلغات متعددة لتعرية الانتهاكات الحوثية، موثقين بالحقائق والأرقام حملات الاختطاف والترهيب التي يتعرض لها السكان.
وبذلك، غدت المنصات الرقمية بمثابة الجسر الذي وحّد الشتات والداخل في خندق جمهوري واحد.
إن "سبتمبر الرقمي" يبرهن بما لا يدع مجالاً للشك أن القبضة الأمنية، ومهما بلغت قسوتها، عاجزة تماماً عن احتواء الإرادة الشعبية أو محو الهوية السبتمبرية.
لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد أدوات ترفيهية إلى ميادين فكرية متقدة بالوعي، تثبت كل يوم أن شعلة 26 سبتمبر التي أوقدها الرعيل الأول عام 1962 لا تزال متقدة في قلوب الأجيال، وعصية على الانطفاء أو النسيان.