بين الحاجة والاحتراف.. الأزمة المعيشية تعيد تشكيل ظاهرة التسول في عدن وتحذيرات من استغلال الأطفال والنساء

لم يعد مشهد المتسولين المنتشرين أمام الأسواق الشعبية وشركات الصرافة والمساجد ومراكز التسوق ومحطات نقل الركاب في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن مجرد حالات فردية تعكس الفقر، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية آخذة في الاتساع، مع استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع فرص العمل، في مشهد يثير قلق السكان والمختصين بشأن تداعياته الاجتماعية والأمنية.

وفي معظم شوارع المدينة، بات من المعتاد مشاهدة رجال ونساء وأطفال وكبار سن وذوي إعاقة، إلى جانب أسر كاملة، يفترشون مداخل الأسواق والمؤسسات التجارية طلباً للمساعدة المالية أو الغذائية، بعدما كان التسول يقتصر في السابق على حالات محدودة.

يقول سكان ومتسوقون لوكالة "خبر"، إن أعداد المتسولين تضاعفت خلال العامين الماضيين، حتى أصبحت معظم المواقع الحيوية تضم متسولين بشكل دائم، بينما تشير مشاهدات ميدانية إلى وجود تقسيم واضح لأماكن الوجود أمام شركات الصرافة والأسواق والمساجد، بما يوحي بوجود تنظيم غير رسمي يحدد مناطق عمل كل مجموعة.

 

اتساع دائرة التسول

وقال عدد من مالكي شركات الصرافة والمحال التجارية في عدن، لمراسل "خبر"، إن "المتسولين أنفسهم يعودون يومياً إلى المواقع ذاتها، فيما تظهر مجموعات جديدة باستمرار، وأصبح من النادر أن يخلو أي شارع تجاري منهم، وهو أمر لم يكن مألوفاً قبل سنوات".

وتشير مشاهدات ميدانية إلى أن كثيراً من المتسولين يلتزمون بما يشبه "دواماً يومياً" يتوافق مع ساعات عمل المؤسسات والأسواق وشركات الصرافة التي يقفون أمامها، حيث يتوافدون مع بدء الدوام ويغادرون مع انتهائه. 

كما تلجأ بعض الأسر إلى اصطحاب أطفالها أثناء التسول، في محاولة لاستدرار تعاطف المارة وزيادة العائد المالي، وهو ما يرى مختصون أنه يكشف كيف تحول التسول لدى شريحة من الممارسين من وسيلة اضطرارية لتجاوز الحاجة إلى نشاط يمارس بصورة منتظمة أشبه بالمهنة، مع ما يرافق ذلك من مخاطر على الأطفال وحرمانهم من التعليم والتنشئة السليمة.

ويأتي اتساع الظاهرة في وقت يواجه فيه اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاع الحرب عام 2015، إذ فقد الريال اليمني في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً أكثر من ثمانية أضعاف قيمته، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي دفع مزيداً من الأسر إلى دائرة الفقر.

ولا تقتصر ظاهرة التسول على مدينة عدن، بل تمتد إلى معظم المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً أو مليشيا الحوثي الإرهابية، وإن اختلفت آليات التعامل معها بين الجانبين. 

وقالت مصادر مطلعة إن السلطات الحكومية تواجه انتقادات بسبب محدودية برامج الحماية الاجتماعية وضعف تنظيم وصول المساعدات الإنسانية إلى الأسر الأشد فقراً، في حين تتهم مليشيا الحوثي باتباع إجراءات قاسية بحق المتسولين والباعة المتجولين، شملت -بحسب تقارير حقوقية وإعلامية- حملات احتجاز وفرض غرامات مالية، بالتزامن مع القيود التي فرضتها على عمل عدد من المنظمات الإنسانية، الأمر الذي أدى إلى تقليص أو تعليق أنشطة بعضها في مناطق سيطرتها، وسط اتهامات متكررة للمليشيا بالتدخل في آليات توزيع المساعدات وتوجيه جانب منها إلى الموالين لها.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 18.3 مليون شخص في اليمن يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال عام 2026، فيما يواجه نحو 5 ملايين شخص مستويات الأزمة أو الطوارئ الغذائية، بينما يعيش قرابة 1.4 مليون شخص في ظروف طارئة تستدعي تدخلاً عاجلاً.

وتنعكس هذه المؤشرات بوضوح في عدن، حيث لم يعد التسول يقتصر على الوقوف في الطرقات، بل امتد إلى وسائل النقل والأسواق والمطاعم، مع تزايد أشخاص يطلبون ثمن وجبة أو تكلفة علاج طفل أو شراء دواء، في مشاهد تتكرر يومياً.

استغلال وتحرش

وأكد مختصون اجتماعيون لوكالة خبر، أن الأزمة الاقتصادية وحدها لا تفسر اتساع الظاهرة، مؤكدين أن تراجع برامج الحماية الاجتماعية وضعف شبكات الرعاية أسهما في دفع مزيد من الأسر إلى الشارع.

وقال الباحث الاجتماعي محمد باعباد لوكالة خبر، إن "الفقر هو المحرك الرئيسي للظاهرة، لكن استمرارها بهذا الاتساع دون تدخل مؤسسي قد يحول التسول إلى نمط معيشة لدى بعض الأسر، وهو ما ستكون له انعكاسات خطيرة على الأطفال والتعليم والاستقرار المجتمعي".

ويحذر المختصون أيضاً من أن بعض مواقع التسول، خصوصاً في الأسواق المزدحمة، شهدت حالات استغلال وتحرش بالنساء والأطفال، مؤكدين أن الحاجة الماسة للمال تجعل بعض الضحايا أكثر عرضة للاستغلال، فيما قد تلجأ قلة منهن إلى أساليب استجداء تقوم على استمالة المارة للحصول على مبالغ أكبر، وهو ما يزيد من تعقيد الظاهرة ويخرجها من إطارها الإنساني.

برامج الحماية الاجتماعية

وقال أحد العاملين في منظمة محلية تعنى بالحماية الاجتماعية إن "غياب قاعدة بيانات دقيقة للأسر الأشد فقراً يؤدي في كثير من الأحيان إلى وصول المساعدات إلى غير مستحقيها، بينما تبقى آلاف الأسر خارج قوائم الدعم، الأمر الذي يدفعها إلى البحث عن أي وسيلة للبقاء، بما فيها التسول".

ويرى خبراء أن الحد من الظاهرة يتطلب استجابة تتجاوز المعالجات الأمنية، عبر توسيع برامج الحماية الاجتماعية، وخلق فرص عمل، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها وفقاً لأولويات كل منطقة، إلى جانب إطلاق حملات توعية تشارك فيها المؤسسات الحكومية ووسائل الإعلام وخطباء المساجد ومنظمات المجتمع المدني للتحذير من مخاطر استغلال الأطفال والنساء في التسول.

ومع استمرار الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن دون مؤشرات على انفراج قريب، تبقى شوارع عدن شاهداً يومياً على اتساع دائرة الفقر، في وقت يحذر فيه مختصون من أن تجاهل الحكومة اليمنية الظاهرة سيجعلها أكثر تجذراً، ويحولها من استجابة مؤقتة للأزمة إلى تحدٍ اجتماعي طويل الأمد.