عندما تتحول الشرعية من حامل لمشروع الجمهورية اليمنية إلى مُيسِّر لوجستي لرحلات الانقلاب
في لحظات التحول التاريخي الكبرى، تُقاس شرعية الأنظمة بمدى تمسكها بالثوابت الوجودية لأمتها، وجسارتها في الذود عن كرامة شعبها وسيادة أراضيها.
غير أن المشهد السياسي اليمني المعاصر بات يُسجّل مفارقة سريالية شديدة المرارة؛ إذ تقف الشرعية اليمنية بمجلس قيادتها وحكومتها، أمام واحدة من أكثر سقطاتها الخطابية والسياسية تبلوراً.
فبينما يرزح ملايين اليمنيين تحت وطأة أبشع انقلاب طائفي صادر القوت والكرامة والنظام الجمهوري، ينبري مجلس القيادة الرئاسي مؤخراً في اجتماع استثنائي فاضح، ليتعاطى مع صراع الهوية والوجود وكأنه نزاع ملاحي وإداري حول جباية التذاكر وبدائل السفر.
إن الصدمة التي خلفها البيان الأخير للمجلس لم تكن في حجم التغول الإيراني السافر فحسب، بل في طبيعة الرد الرسمي الذي جرد الدولة من هيبتها ومخالبها.
لقد تجلت الشرعية في موقفها هذا وهي تمارس انفصاماً سياسياً غير مسبوق؛ فبدلاً من إعلان التعبئة الشاملة وقطع دابر التدخلات الأجنبية، انحدر الخطاب إلى مستوى مكتب سفريات يبحث عن فتاوى لوجستية وحلول فنية لاستئجار طائرات بديلة لنقل عناصر المليشيا الحوثية.
هذا التمييع الحصيف في لغة المواجهة، لا يمثل فحسب طعنة في خاصرة التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب اليمني لاستعادة دولته، بل يكشف بوضوح كيف تحول غريم الشعب التاريخي في وعي النخبة الحاكمة إلى مجرد طرف آخر في معادلة إجرائية، لتغدو معركة الجمهورية والكرامة مؤجلة حتى إشعار آخر، بانتظار موافقة طهران على ترتيبات الملاحة.
اختزال الصراع الوجودي في أزمة لوجستية
تجلى الوهن السياسي في ثنايا البيان الرئاسي عبر محاولته تفكيك معضلة وطنية كبرى وتحويلها إلى مجرد ملف إجرائي؛ فدخول طائرة إيرانية تابعة لشركة "ماهان" إلى مطار صنعاء في يوليو 2026 لم يكن مجرد خرق ملاحي يتطلب حلاً عبر طائرة مستأجرة تابعة للخطوط اليمنية، بل هو إعلان سياسي وعسكري صريح من طهران بتجاوز مؤسسات الدولة اليمنية بالكامل وشرعنة الانقلاب عياناً جهراً.
إن تقديم الحكومة الشرعية لمقترحات بديلة لنقل عناصر المليشيا الحوثية تحت غطاء الناقل الوطني الوحيد يعكس عجزاً بنيوياً في فهم طبيعة المعركة؛ إذ بدت الشرعية وكأنها تمارس دور المسهّل لرحلات خصمها، بدلاً من فرض حصار سياسي ودبلوماسي شامل يعيد صياغة شروط التفاوض من موقع القوة، لا من موقع البحث عن مخرجات تجميلية لانتهاكات السيادة.
الغريم الغائب... إسقاط حقوق الشعب من معادلة الخصومة
الصدمة الأكبر في الأداء السياسي للشرعية تكمن في تغييب الشعب اليمني كطرف أصيل في هذه الخصومة؛ فالمليشيا الحوثية ليست غريماً لمجلس القيادة حول الحصص الدبلوماسية أو إدارة المطارات، بل هي غريم تاريخي للشعب اليمني في قوته، وكرامته، ونظامه الجمهوري، وحرياته الأساسية.
حين يتعامل المجلس الرئاسي مع المذكرات الإيرانية بالرفض الإداري المقرون بالبدائل المتاحة، فإنه يسقط عمداً أو سهواً التزامه الأخلاقي والدستوري تجاه ملايين المواطنين الرازحين تحت وطأة المعاناة والبطش في مناطق سيطرة الانقلاب.
إن هذا التميع في الخطاب يبعث برسالة بائسة للداخل اليمني مفادها أن النخبة الحاكمة تدير الأزمة من وراء أبراجها العاجية، متناسية أن مسؤوليتها الأولى هي استعادة العاصمة وبسط نفوذ الدولة، وليس التفتيش عن حلول تقنية تضمن سلامة أطقم طائرات مستأجرة لعناصر ارهابية متمردة.
شرعية بلا مخالب.. بيان التهديد وعجز التنفيذ
أفرط البيان الرئاسي في استخدام مفردات الوعيد والتأهب، متحدثاً عن اتخاذ جميع الإجراءات السياسية والدبلوماسية والعسكرية لمنع فرض أي أمر واقع.
غير أن هذه الديباجة المكررة تصطدم بواقع مرير قوامه الجمود العسكري الكامل في الجبهات، والتراجع الدبلوماسي المستمر أمام الضغوط الدولية والإقليمية.
إن التهديد باتخاذ إجراءات عسكرية لحماية الأجواء يغدو بلا قيمة عملية عندما تكون الطائرات الإيرانية قد حطت بالفعل وأقلعت بملء إرادتها في مطار صنعاء دون أي رد فعل حقيقي على الأرض، ومثل هذا التناقض الصارخ بين الخطاب اللفظي الحاد والواقع الميداني المشلول يزيل ما تبقى من هيبة الدولة، ويجعل من بيانات الشرعية مادة للتندر السياسي بدلاً من أن تكون رادعاً للمليشيا ومستشاريها في طهران.
أين تقع الجمهورية في حسابات الرئاسي
إن المحصلة النهائية للتعاطي الرسمي مع ملف طائرة "ماهان" تكشف عن أزمة عميقة في هرم السلطة الشرعية؛ فالشعب اليمني لم يقدم قوافل الشهداء والجرحى من أجل تحسين شروط تشغيل مطار صنعاء أو استبدال طيران إيراني بطيران وطني مستأجر، بل قدمها من أجل اقتلاع جذور الانقلاب وإعادة الاعتبار للجمهورية والكرامة الإنسانية.
إن تحول مجلس القيادة والحكومة إلى جهة تشتكي التدخلات الإيرانية وتطالب طهران باحترام السيادة عبر المنصات الإعلامية، دون امتلاك أدوات حقيقية للفرض والردع، يعكس حالة من التآكل الداخلي؛ فالسيادة لا تُستجدى بالبيانات، والكرامة الوطنية لا تُحفظ برسم البدائل اللوجستية لخصم لا يعترف بالدولة أساساً.
لقد حان الوقت لتدرك الشرعية أن بقاءها رهنٌ بالتزامها بمعركة استعادة الدولة كهدف كلي غير قابل للتجزئة أو المقايضة، وما دون ذلك ليس سوى إدارة فاشلة للاستسلام المقنع.