نخب في خنادق بديلة
لا تحتاج الحالة السياسية اليمنية الراهنة إلى عبقرية فذة لتفكيك شفراتها، بل تحتاج إلى مبضع جراح يملك من الشجاعة ما يكفي لتشريح جسد النخبة التي أدمت قلب الوطن بأقلامها ومواقفها قبل أن تدميه بنادق الأعداء.
ومن مفارقات هذا الزمن الرديء، أن نرى بعض من يُحسبون على صفوة القوم وقادة الرأي في اليمن، يتحولون إلى محامين مستبسلين، ومدافعين شرسين عن دول شقيقة وصديقة، يذودون عن حياضها بالكلمة والرصاصة والموقف، ويسكبون في سبيلها حبر المديح وصخب المنافحة، في حين تبدو قضيتهم الأم، وجغرافيتهم النازفة، وجمهوريتهم المذبوحة، في آخر سلم اهتماماتهم وخارج حساباتهم الميدانية الصادقة.
وهنا تبرز الحقيقة المرة بصورتها العارية: لو أن هذه النخب المهاجرة في فضاءات التنظير، والمستبسلة في خنادق الدفاع عن الآخرين، دافعت عن اليمن –بلدهم ومسقط رأس كبريائهم– بنفس الحرارة، وبذات الحصافة والجهد والولاء، لكانت جبال اليمن وسهوله قد تطهرت من دنس الإمامة المعاصرة منذ سنوات، ولكان هذا السرطان الحوثي المرهون لإيران قد بُتر من جذوره قبل أن يستفحل ليقض مضجع الملايين.
إن مشكلة اليمن اليوم لم تكن يوماً في شحة الدعم، ولا في غياب السلاح، بل في عقم النخبة التي أدمنت العيش على هوامش المعارك، واحتراف دور الوكيل السياسي والترجمان الإعلامي، متناسية أن الأوطان لا تتحرر بالنيابة، ولا تُهدى على أطباق من ذهب فوق طاولات الفنادق وعواصم الشتات.
من المعيب حقاً أن نرى كاتباً أو سياسياً يمنياً يفرغ شحنته الوطنية كاملة في معارك بينية أو إقليمية، مستخدماً كل مهاراته اللغوية والتحليلية لحماية مصالح الآخرين، بينما يعجز عن صياغة مشروع وطني جامع، أو قيادة هبة شعبية حقيقية تنتزع الأرض من أنياب المليشيا التي تعيث في صنعاء والمحافظات فساداً وخراباً.
هذا الانفصام النخبوي يعكس أزمة أخلاقية عميقة قبل أن يكون أزمة سياسية، إذ تحولت القضية اليمنية لدى هؤلاء إلى مجرد منصة لتحسين شروط التفاوض الشخصي، ومادة دسمة لملء الفراغ في القنوات الإخبارية، ووسيلة للتكسب السياسي والمادي تحت لافتة الدفاع عن الحلفاء.
ومهما بلغت مستويات الدعم الخارجي وصدقت النوايا الإقليمية في مساندة اليمن، فإن الحليف – أي حليف – لن يكون ملكياً أكثر من الملك، ولن يقاتل في الوديان والشعاب بالنيابة عن أصحاب الأرض إذا كان أهلها قد استمرأوا البقاء في مقاعد المتفرجين، واكتفوا بتوزيع صكوك التقييم والاتهام يمنة ويسرة.
إن تحرير اليمن يحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى بتر هذه العقلية النخبوية الاتكالية، وإعادة توجيه البوصلة نحو الداخل اليمني الذي يختنق تحت وطأة القمع والفقر وحصار الهوية.
إن واجب النخبة الحصيفة اليوم ليس البحث عن خنادق بديلة تدافع عنها، بل العودة إلى خندق اليمن الكبير، والالتحام مع تطلعات المواطن البسيط الذي ملّ سماع الخطابات الرنانة والمزايدات الإعلامية وهو يرى بلاده تنزلق نحو المجهول.
لقد حان الوقت لتدرك هذه النخب أن كلفة الدفاع عن الوطن على ترابه الخاص، أقل بكثير من كلفة العيش في منافي التبعية الفكرية، وأن التاريخ لا يرحم من فرط في جغرافيا بلده ليحرس حدود الكلمات في بلدان الآخرين.