حسابات الردع والسياسة.. لماذا يتأخر حلف مكة والرد الدولي في كبح تصعيد الحوثيين

يعيش اليمن والمحيط الإقليمي على وقع تصعيد عسكري غير مسبوق، إثر استمرار مليشيا الحوثي في شن اعتداءات ممنهجة مستهدفةً المنشآت الحيوية والمدنية في محافظتي تعز ومأرب، وامتداد التهديدات مجدداً باتجاه المملكة العربية السعودية وممرات الملاحة الدولية.

ورغم الخطاب الدولي والأمريكي الصارم، وتأسيس تحالفات إقليمية جديدة، يثور تساؤل محوري في الأوساط السياسية والعسكرية: لماذا لم يتحرك حلف مكة الدفاعي عسكرياً على الأرض حتى الآن؟ ولماذا تكتفي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمجتمع الدولي ببيانات التنديد والعقوبات الاقتصادية؟

جبهات مشتعلة.. إحصائيات الاستهداف الممنهج للأعيان المدنية

لم تتوقف الآلة العسكرية الحوثية عن استهداف المدنيين؛ ففي محافظتي تعز ومأرب، تشير التقارير الميدانية والمصادر الحقوقية إلى تصاعد حدة الهجمات البرية والقصف الصاروخي وبطائرات مسيرة انتحارية.

 ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن محور تعز العسكري ووزارة الدفاع اليمنية، تم تسجيل مئات الخروقات والانتهاكات الحوثية خلال الأسابيع الأخيرة شملت: قصف الأحياء السكنية المكتظة بالنازحين في مأرب، واستهداف المنشآت الطبية والتعليمية والخدمية في تعز المحاصرة، ومحاولات بائسة لتهديد المنشآت الحيوية في العمق السعودي وممرات الملاحة في البحر الأحمر.

هذا التصعيد أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين بين شهيد وجريح، وأدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية الخانقة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية تتطلب ضرورة الوقف الفوري لهذه الاعتداءات لتجنب كارثة بشرية أكبر.

حلف مكة الدفاعي.. بين قيود الدستور والحسابات العسكرية على الأرض

شكل إعلان توقيع حلف مكة الدفاعي بين المملكة العربية السعودية، وجمهورية تركيا، وجمهورية باكستان الإسلامية في أغسطس 2026، نقطة تحول استراتيجي في المنطقة. 

ومع ذلك، فإن عدم ترجمة هذا الحلف إلى تدخل عسكري بري مباشر ومكثف على الأرض يعود إلى حزمة من المحددات البنيوية والسياسية بحسب سياسيين وخبراء عسكريين، منها: الطبيعة الدفاعية والردعية للاتفاقية حيث صيغ الحلف في أساسه كإطار دفاعي مشترك يهدف إلى حماية الأمن القومي للدول الأعضاء وتأمين خطوط الملاحة البحرية، وليس كقوة هجومية لشن حروب برية واسعة النطاق داخل الأراضي اليمنية.

العوائق الدستورية والبرلمانية، حيث تواجه الاتفاقية متطلبات قانونية داخلية في الدول الموقعة؛ فحتى اللحظة، لا تزال الاتفاقية بحاجة إلى استكمال إجراءات التصديق الرسمية داخل البرلمان التركي لتدخل حيز التنفيذ العملي الكامل.

الاعتماد على القوات البرية اليمنية، كما يرتكز الموقف الاستراتيجي للحلف على دعم القوات الحكومية اليمنية لوجستياً وفنياً واستخباراتياً – كما يحدث في معارك الدفاع عن تعز ومأرب ضمن عمليات "فجر اليمن" – مع الاكتفاء بتقديم الإسناد الجوي ومنظومات الدفاع الجوي لحماية الأجواء والمنشآت الحيوية، بدلاً من إقحام قوات أجنبية في حرب برية معقدة التضاريس.

إدارة ترامب والمجتمع الدولي.. استراتيجية الضغط الناعم بدلاً من المواجهة المباشرة

برغم النبرة الحازمة التي تعتمدها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الأذرع الإيرانية في المنطقة، إلا أن الموقف الأمريكي والدولي لا يزال محكوماً بحسابات جيوسياسية دقيقة تمنع التدخل العسكري المباشر بحسب خبراء عسكريين منها:

 تجنب الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، حيث يتزامن التصعيد الحوثي مع توترات إقليمية حادة تشهدها منطقة الشرق الأوسط. وتخشى واشنطن والعواصم الغربية أن يؤدي أي رد عسكري بري أو ضربات واسعة النطاق إلى تفجير مواجهة مباشرة وشاملة تتجاوز الحدود اليمنية.

مع تفضيل الحصار المالي والاقتصادي، حيث ترى إدارة ترامب أن السلاح الأنجع حالياً هو تشديد العقوبات الاقتصادية الخانقة، وتجفيف منابع تمويل المليشيا من خلال فرض قيود صارمة على شبكات تهريب الوقود، وشركات الطيران، والكيانات المالية المرتبطة بطهران، لإجبار الحوثيين على الانصياع للسلام تحت وطأة الضغط الاقتصادي.

بالإضافة إلي الحفاظ على خطوط الدبلوماسية الخلفية، إذ لا تزال هناك أطراف دولية وإقليمية مثل سلطنة عُمان وروسيا والصين تدفع برؤية قوامها أن الحل في اليمن لن يكون إلا سياسياً، وتواصل الضغط لإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة لمنع الانهيار الشامل لجهود السلام المتعثرة، وهو ما يرفضه المجلس الرئاسي اليمني والقوات الحكومية اليمنية.

 

حتمية التحرك.. ضرورة إيقاف الاعتداءات الحوثية لحماية الأمن السلمي

تؤكد المعطيات على الأرض وما يراه عدد من الساسة اليمنيين أن اكتفاء المجتمع الدولي ببيانات التنديد والقلق، وبقاء حلف مكة في طور الترتيبات القانونية واللوجستية، يمنح مليشيا الحوثي ضوءاً أخضر ضمنياً للاستمرار في تقويض الاستقرار الإقليمي.

وبأن إيقاف الاعتداءات الحوثية على المنشآت المدنية والحيوية لم يعد مطلباً يمنياً فحسب، بل ضرورة ملحة لحماية الأمن القومي العربي وتأمين إمدادات الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية عبر مضيق باب المندب. 

كما أن استمرار هذا التراخي الدولي يهدد بنسف كل فرص التسوية السياسية، ويفرض على القوى الإقليمية والدولية مراجعة استراتيجياتها والانتقال من مربع التنديد إلى مربع الردع الفعلي لحماية المدنيين وحفظ الاستقرار.